ادخل بريدك الإلكتروني لإعلامك بمنشوراتنا الجديدة!

ابحث في هذه المدونة

الثلاثاء، 21 فبراير، 2012

حظر الجمع في الحضر بسبب البرد أو الثلج أو المطر (نسخة ثانية مزيدة)




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد، فقد كثر السؤال هذه الأيام عن حكم جمع الصلوات في الحضر (المدن) سواء في المساجد أو البيوت، وزاد الطين بلة مسارعة بعض الأئمة إلى الجمع بين الصلوات في بيوت الله تعالى بحجة نزول المطر! والغريب أن المساجد في المدن على بعد أمتار من البيوت، بل إن بعض الأئمة يقيمون داخل هذه المساجد، ورغم ذلك جمعوا الصلوات بحجة الظلمة والمطر!
ولم يثبت أبدا أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الصلوات في الحضر جمعا حقيقيا كما فعله هؤلاء الأئمة، لا بسبب البرد ولا بسبب الثلج ولا بسبب المطر، وإنما كان جمعا صوريا يصلي كل صلاة لوقتها فيؤخر الظهر لآخر وقته ويصلي العصر في أول وقته، فيوقع كل صلاة لوقتها، وكذلك يؤخر المغرب لآخر وقتها ويصلي العشاء في أول وقتها، فيصلي كل صلاة لوقتها، ولم يفعل هذا بسبب المطر ولا البرد ولا السفر، وإنها تعليما لأمته كما علمه جبريل عليه السلام أوقات الصلاة، فصلى به كل صلاة في أول وقتها ثم صلى به كل صلاة في آخر وقتها، فالنبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ليعلم أمته أن من كان بحاجة لتأخير الصلاة عن وقتها الأول في الحضر بسبب من الأسباب جاز له ذلك بشرط أن لا يُخرجها عن وقتها.
وهذا يختلف تماما عما يفعله بعض الأئمة من تقديم العصر لوقت الظهر، وصلاة العشاء في وقت المغرب أو العكس، والأصل هو إقامة الصلاة لوقتها لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} [النساء: 103]، فلا يجوز ترك هذا الأصل إلا بدليل يقيني صحيح صريح لا يتطرق إليه الاحتمال. ولنذكر كل مسألة بدليلها:

النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في المطر ولا يجمع

- عن أنس رضي الله عنه، قال: أصابت الناس سنة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم الجمعة، قام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده، ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته صلى الله عليه وسلم، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغدو بعد الغدو والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي أو قال غيره فقال: يا رسول الله، تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا، فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر. فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت. [متفق عليه، ورواه أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد والشافعي في مسنده والبزار في البحر الزخار وأبو داود في سننه].
فقد نزل المطر أسبوعا كاملا حتى تهدمت البيوت وهلكت الأغنام والإبل والبقر، وهي المعبّر عنها بالمال، وانقطعت السبل، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحدا بالجمع ولم يجمع، إذ لو فعل ذلك لنقل ذلك صحابته كما نقلوا أفعاله صلى الله عليه وسلم.
- وعن أبي سلمة، قال: سألت أبا سعيد وكان لي صديقا فقال: اعتكفنا مع النبي صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان، فخرج صبيحة عشرين فخطبنا وقال: إني أريت ليلة القدر، ثم أنسيتها أو نسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر، وإني رأيت أني أسجد في ماء وطين، فمن كان اعتكف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فليرجع. فرجعنا وما نرى في السماء قزعة، فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد، وكان من جريد النخل، وأقيمت الصلاة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء والطين، حتى رأيت أثر الطين في جبهته. [رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود ومالك في الموطأ والنسائي والبيهقي وغيرهم].
فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في المطر الشديد ويسجد في الماء والطين حتى يرى الصحابة رضي الله عنهم أثر الطين على جبهته الشريفة، ولم يجمع ولم يأمر أحدا بجمع الصلاة، وقس هذا مع ما يفعله بعضهم عندنا من جمع الصلاة بمجرد ما يرى المطر رفعا للمشقة بزعمهم!

النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن إخراج الصلاة عن وقتها

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم إخراج الصلاة عن وقتها، وعدّ ذلك من التفريط، وحدّد ذلك بتأخير صلاة إلى وقت الأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت آخر. [قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 1/288: إسناده على شرط مسلم، وصححه ابن الملقن في البدر المنير 3/192 وصححه النووي في المجموع 3/25، ورواه أبو داود في سننه رقم 141 وسكت عنه، وقد قال في رسالته لأهل مكة: كل ما سكتُّ عنه فهو صحيح، ورواه ابن ماجه في سننه رقم 690، وابن عبد البر في الاستذكار رقم 31، والنسائي في السنن الصغرى رقم 612 بصيغ مختلفة].
قلت: وهذا هو الجمع الذي يُمارَس في بعض المساجد، فهم يؤخرون الصلاة الأولى حتى يدخل وقت الثانية، أو يقدمون الثانية إلى وقت الأولى! فيصلّون مرّة بعد خروج وقتها ومرّة قبل دخول وقتها! وهذا من تضييع الصلاة المنهي عنه بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59].
- ومما يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع في الحضر جمعا حقيقيا أبدا، ما ثبت عن عبد الله بن مسعود، قال: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة قط إلا في وقتها، إلا أنه جمع بين الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بجمع (يعني بمزدلفة)، وصلى الفجر قبل ميقاتها. [رواه البخاري 1577، ومسلم 2278، وأحمد 3508، والنسائي 3931 في الكبرى، وابن خزيمة 673، وغيرهم].
وقوله: وصلى الفجر قبل ميقاتها. معناها قبل الوقت الذي جرت العادة أن يصليها فيه، فقد كان عليه الصلاة والسلام يؤخر الفجر بعد دخول وقته ليجتمع الناس ولا تفوتهم الجماعة، وفي مزدلفة صلى مباشرة فور دخول الوقت ليعلم أمته أن كل هذا وقت فجر، بدليل أن الإمام مسلم وابن خزيمة رويا الحديث بزيادة: وصلى الفجر قبل وقتها بغلس.
- قال البزار في البحر الزخار 5/1684: ومعنى قوله: أنه صلى الفجر لغير ميقاتها. أنه صلاها في غير وقتها الذي كان يصليها في كل يوم، لأنه كان يصلي في كل يوم إذا أسفر الفجر وصلى في ذلك اليوم حيث برق الفجر، فكان قبل ميقاتها الذي كان يصليها في كل يوم لا أنه صلاها قبل أن يجب وقتها.
قلت: فانظر كيف نقل هذا الصحابي الجليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل صلاة إلا في وقتها، وأن الجمع كان بعرفة ومزدلفة، ولو جمع النبي صلى الله عليه وسلم بصحابته في المسجد جمعا حقيقيا كالذي وقع بعرفة لنقله الصحابة إلينا، فهو يستحيل أن يخفى عليهم، فالمسجد كان محور حياتهم، وهذا يؤكد أن حديث ابن عباس في الجمع في المدينة كان جمعا صوريا، ونفي ابن مسعود للجمع الحقيقي.

النبي صلى الله عليه وسلم يوجّه ذوي الحاجة إلى الجمع الصوري

كما بيّنا أن الجمع في الحضر يكون صوريا لمن احتاجه لسبب من الأسباب: المرض، الشغل، الحيض، الرعاف، البحث عن الماء، الامتحانات ...، فإذا احتاج المسلم وألزمته الضرورة تأخير الصلاة لآخر وقتها وتقديم الأخرى لأول وقتها، فلا حرج عليه.
وهذا ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التي لم ينقطع حيضها، وهذا يُشبه المرض.
- عن عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش، قالت: كنت أستحاض حيضة شديدة كثيرة، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره، فقلت يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال وما هي، فقلت يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصيام. فكان من جملة ما أرشدها صلى الله عليه وسلم إليه ... وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجّلي العصر، فتغتسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي. -ثم قال لها صلى الله عليه وسلم- وهذا أعجب الأمرين إليّ. [رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي، وحسنه البخاري].
وهذا الجمع الصوري أخذه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يرشدون إليه من احتاجه من المسلمين، فلا علاقة له ببرد ولا ثلج ولا مطر.
- روى ابن عبد البر عن حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن مجاهد، قال: قيل لابن عباس: -وقد سئل عن امرأة مستحاضة فكيف تصلي؟- إن أرضها باردة، تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتغتسل لهما غسلا، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلا، وتغتسل للفجر غسلا. [التمهيد 2/439].
وفي هذا دليل على أن إطلاق سيدنا ابن عباس عبارة الجمع في الأحاديث الأخرى هو الجمع الصوري لا الحقيقي. فكيف يفعل بعض الأئمة بالرجال ما نصح به النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضات من النساء؟!

النبي صلى الله عليه وسلم يجمع في الحضر جمعا صوريا لا حقيقيا

- روى مسلم في صحيحه 1147: عن ابن عباس، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا بالمدينة في غير خوف ولا سفر. قال الزبير: فسألت سعيدا لِمَ فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يُحرج أحدا من أمته.
- وروى مسلم في صحيحه 1154: عن عبد الله شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة، قال فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أمّ لك، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
- وروى مسلم في صحيحه 705 (49 و54): عن ابن عباس، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، في غير خوف ولا سفر. وفي رواية: بالمدينة في غير خوف ولا مطر. قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألاّ يُحرج أمته. [رواه أحمد 3/138، والبخاري 112].
قلت: هذا الجمع الذي تحدث عنه سيدنا ابن عباس رضي الله عنه والذي وقع في المدينة في غير خوف ولا سفر ولا مطر هو الجمع الصوري وليس جمعا حقيقيا، بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخّر المغرب لآخر وقتها وصلى العشاء في أول وقتها، فأوقع كل صلاة في وقتها، وفعل ذلك تعليما لأمته حتى يعلموا أوقات الصلاة، ويرفع الحرج عن من كان بحاجة لتأخير الصلاة عن وقتها الأوّل، بدليل أنه فعل ذلك في غير خوف ولا سفر ولا مطر حتى لا يتذرع أحدهم بالمطر ....
وبهذا يتبين أن الاحتجاج بهذه الأحاديث للجمع في الحضر بسبب المطر، لا علاقة له بالأحاديث، لأنها صريحة بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في غير خوف ولا سفر ولا مطر. بل جاء التصريح بالجمع الصوري من النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر حمنة بنت جحش لما كانت مُستحاضة بتأخير الظهر وتعجيل العصر، وتأخير المغرب وتعجيل العشاء. [رواه أبو داود والترمذي].

سيدنا عبد الله بن عباس يوضّح معنى الجمع في المدينة

وقد صرح سيدنا عبد الله بن عباس راوي أحاديث الجمع في الحضر أن الجمع كان صوريا ولم يكن حقيقيا.
- روى النسائي 1/286 عن قتيبة عن سفيان عن عمرو عن جابر بن زيد عن ابن عباس: صليت مع النبي بالمدينة ثمانيا جميعا وسبعا جميعا، أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء.
- عن ابن عباس، قال: صليتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم ثمانيا جميعا، وسبعا جميعا، قيل: يا أبا الشعثاء أظنه أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك. [رواه البخاري 1174، ومسلم 705 (55)، وأحمد 1/221، وأبو داود 1210-1214، والترمذي 187، والنسائي 1/290].
وهذا هو الجمع الصوري الذي يكون في الحضر وهو يختلف عن الجمع الحقيقي الذي يكون في السفر. ومثال الجمع الحقيقي ما ثبت في الصحيح:
- عن معاذ بن جبل، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزة تبوك، فكان يصلي الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، فقيل: ما حملَهُ على ذلك؟ فقال: أراد ألا يحرج أمته. [رواه مسلم 588 المفهم، وأبو داود 1206 و1208، والترمذي 553 و554، والنسائي 1/285، وابن ماجه 1070].

سيدنا عبد الله بن عمر يجمع جمعا صوريا

يستدل من يجمع بين الصلاتين في الحضر بحديث الموطأ 1/145، عن نافع عن ابن عمر: كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم.
ولا يصح الاحتجاج بهذا الأثر للجمع الحقيقي، بل دليل للجمع الصوري، بدليل ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/44 رقم 6267، قال: حدثنا أبو أسامة قال حدثنا عبيد الله عن نافع، قال: كانت أمراؤنا إذا كانت ليلة مطيرة أبطأوا بالمغرب وعجلوا بالعشاء قبل أن يغيب الشفق، فكان ابن عمر يصلي معهم لا يرى بذلك بأسا، قال عبيد الله: ورأيت القاسم وسالما يصليان معهم في مثل تلك الليلة. وهذا هو الجمع الصوري.

التخلف عن صلاة الجماعة والجمعة لعذر المطر


ومن الأدلة البينة على عدم صحة الجمع في الحضر أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا نزل المطر أو البرد أو الطين، وخافوا على المصلين من الأذى أو السقوط في الطرقات ... أمروا الناس بالصلاة في بيوتهم وترك المجيء للمسجد.
- روى ابن عدي في الكامل 6/2263: عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة، أمر المؤذّن فأّذن بالأذان الأول، فإذا فرغ نادى: الصلاة في الرحال، أو: في رحالكم.
- وروى مسلم في صحيحه، باب جواز التخلف عن صلاة الجماعة والجمعة لعذر المطر: عن ابن عمر، أنه نادى بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ومطر، فقال في آخر ندائه: ألا صلّوا في رحالكم، ألا صلّوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر في السفر أن يقول: ألا صلّوا في رحالكم. [رواه أحمد 2/10 و53، والبخاري 632، ومسلم 577 المفهم، وأبو داود 1060-1064، والنسائي 2/15، وابن ماجه 937].
وإضافة: الصلاة في الرحال، كما هو واضح من حديث عبد الله بن عمر كان في السفر، وقد اجتهد سيدنا عبد الله بن عباس فجعله في الحضر، فأنكر الصحابة ذلك، فهو محض اجتهاد منه رضي الله عنه.
- عن عبد الله بن عباس، أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلتَ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فلا تقل حيّ على الصلاة، قل صلوا في بيوتكم. قال: فكأن الناس استنكروا ذلك، فقال: أتعجبون من ذا؟ قد فعل ذا من هو خير مني، إن الجمعة عزَمة، وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض. [رواه مسلم 1579 المفهم، والبخاري 901، وأبو داود 1066، وأحمد 1/277].
وتصريح سيدنا عبد الله بن عباس: إني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض. صريح في أنه فعله باجتهاده، وأما قوله: قد فعل ذا من هو خير مني. فالثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في السفر كما مرّ معنا من حديث عبد الله بن عمر، وكما هو صريح حديث جابر.
- عن جابر، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فمطرنا، فقال: ليصلّ من شاء منكم في رحله. [رواه مسلم 698، وأبو داود 1065، والترمذي 409].
وعبارة: الرحال. تدل على ما يركب ليرحل عليه، فهي دالة على السفر، وهي من رحل يرحل. وكنت أتعجب من بعض المؤذنين يرفع صوته وسط العاصمة: الصلاة في الرحال! وأتساءل عن أي رحال ينادي؟! لقد كان سيدنا عبد الله بن عباس أذكى لما أمر مؤذنه أن يقول: صلوا في بيوتكم. وليس في رحالكم، لأن البيوت في العاصمة والمدن والقرى ليست رحالا بل هي بيوت!
والفائدة أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينصحون الناس بالصلاة في بيوتهم عند المطر ولم يطلبوا منهم الجمع في المساجد، وسيدنا عبد الله بن عباس قال لهم بصريح العبارة لما استنكروا عليه: إني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض. والدحض هي الطين الزلقة التي قد يسقط الناس إذا مشوا عليها.
فأين هذه الطين؟! وأين هذا الدحض في العاصمة والمدن الكبرى والصغرى ... حيث أعمدة الإنارة متوفرة في كل مكان؟! والطرق معبدة، والأرصفة مُكرلجة، والمعاطف متوفرة على آخر موضتها، والمساجد مفروشة بالزرابي المبثوثة، ومدافئ ومياه ساخنة ومكيفات هواء بأحدث وأشهر ماركاتها، وكثير من المصلين يملكون سيارات ومطريات، والمساجد على بعد خطوات من البيوت، وبعضها ملاصق للعمارات ...؟! بل وبعض الأئمة الذين جمعوا الصلوات يقيمون داخل المساجد، فلم يروا المطر ولا أصابهم من رذاذه! ثم مجاري تصريف المياه في كل الأركان، فلا أحد يخوض في الماء أو يتلطخ بالطين ...!
بل أخبرني كثير من الناس أنهم جمعوا الصلاة بزعم الظلمة والمطر ...، ثم أغلقوا المساجد مباشرة بعد الجمع في المغرب، ثم جلسوا جماعات جماعات يأكلون الكاوكاو ويشربون الآتاي إلى آخر ساعة من الليل! وكان الناس عندما يعودون إلى المساجد لأداء صلاة العشاء في وقتها كما أمر الله تعالى، يجدونها موصدة! ويقال لهم: أكله الكاوكاو ...! عودوا إلى بيوتكم لقد طبّقنا السنة! والمفارقة العجيبة أن بعض الأئمة عندما جمعوا المغرب والعشاء بعد غروب الشمس، أمروا المصلين بالانصراف إلى بيوتهم وعدم البقاء في الشوارع لتكتمل مناسكهم ...!
المسجد وحده يُغلق في وجه المصلين! بينما المقهى المجاور مشرع الأبواب، والصيدلية مفتوحة، والبقال مليء بالزبائن، والحمام يعج بالناس، وترى طوابير الشباب أمام السيبار ينتظرون أدوارهم، وهذا عائد من عمله وذاك ذاهب إليه، وهذا يبيع وذاك يشري في المباح أو المحرم الممنوع، والمخمرة -أكرمكم الله- تجدها ملتزمة بمواعيدها الليلية والنهارية، وروّادها يفقهون أوقاتها ويحترمونها، والناس منتشرة في كل مكان ... وكلٌّ في فلك يسبحون!
فقط رواد بيت الله يُصرفون عن المسجد، وفقط بيت الله يُغلق أبوابه! وحسبنا الله ونعم الوكيل!
وحتى الطين الذي تحدث عنه سيدنا ابن عباس، وخاف على الصحابة منه، وأمرهم بالصلاة في بيوتهم وقال لهم: كرهت أن أخرجكم فتمشون في الطين والدحض. هذا الطين ليس المقصود به التراب العادي الذي إذا تبلل صار طينا وقد يزلق الناس إذا مشوا عليه، بل المقصود منه ما وضحته الرواية الأخرى عن حماد عن عاصم عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس: كرهت أن أؤثمكم فتجيئون تدوسون الطين إلى ركبكم.
ولكم أن تتصورا حال الناس إذا بلغ بهم الطين إلى ركبهم وحال بيوت الله تعالى إذا دخلها الناس والطين إلى ركبهم! ولا شك أن أي عاقل إذا رأى الطرقات قد امتلأت طينا إلى الركب يأمر الناس بالصلاة في بيوتهم.
ورغم هذا نص فقهاؤنا رضي الله عنهم أن ذلك إذا كانت كل الطرق مسدودة بالطين، أما إذا كان الطين فقط في بعض الطرق دون بعض، ويستطيع الناس الوصول إلى المسجد من بعض الطرق، فليذهبوا إلى المسجد من الطرق السليمة.

سيدنا عمر بن الخطاب ينهى عن الجمع في الحضر ويقول إنه كبيرة من الكبائر

وحتى تقضي على آخر حجج المتلاعبين بصلاة الناس، نذكر أن سيدنا عمر رضي الله عنه الذي نزل القرآن موافقا له، كتب إلى الآفاق ينهى المسلمين عن الجمع في الحضر، ويعلمهم أن ذلك كبيرة من الكبائر.
- قال محمد بن الحسن الشيباني في الموطأ: وبلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب في الآفاق ينهاهم أن يجمعوا بين الصلاتين، ويخبرهم أن الجمع بين الصلاتين في وقت واحد كبيرة من الكبائر، أخبرنا بذلك الثقاة عن العلاء بن الحارث عن مكحول. [انظر الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني 1/59 رقم 205].
فإذا كان سيدنا عمر رضي الله عنه يكتب إلى الآفاق ينهاهم عن جمع الصلوات ويخبرهم أن ذلك من الكبائر، وهو لا يفعل عادة هذا إلا بعد مشاورة الصحابة، ثم لا يُنكر عليه أحد، ويتقبل الصحابة في سائر الأقطار رسالة أمير المؤمنين ولا ينكرها أحد، ويكون من نتائج ذلك أنه لم يثبت عن صحابي أبدا في سائر أقطار المسلمين الجمع في الحضر كما أكد ذلك الإمام الأوزاعي في رسالاته، فكيف يجمع اليوم بعض الأئمة بحجة المطر، ثم يخرج الناس للمقاهي والأسواق؟! فهل هذا المطر لا يمنعم إلا عن الصلاة لوقتها؟!

فهم العلماء لحديث ابن عباس وإنكارهم الجمع في الحضر

- قال الحافظ ابن عبد البر المالكي في الاستذكار 2/488-489: ... ولا حجة في هذا الحديث وما كان مثله لمن جعل الوقت في صلاتي الليل وفي صلاتي النهار في الحضر كهو في السفر، وأجاز الجمع بين الصلاتين في الحضر في وقت إحداهما، لأنه ممكن أن تكون صلاته بالمدينة في غير خوف ولا سفر كانت بأن أخر الأولى من صلاتي النهار فصلاها في آخر وقتها وصلى الثانية في أول وقتها، وصنع مثل ذلك بالعشاءين على ما ظنه أبو الشعثاء وتأول الحديث عليه ...، وأما قول ابن عباس إذ سُئل عن معنى جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين في الحضر فقال: أراد أن لا يحرج أمته. فمعناه مكشوف على ما وصفنا، أي لا يضيّق على أمته فتُصلى في أول الوقت أبدا وفي وسطه أو آخره أبدا لا تتعدى ذلك، ولكن لتُصلى في الوقت كيف شاءت في أوله أو وسطه أو آخره، لأن ما بين طرفي الوقت وقت كله، أما أن تُقدم صلاة الحضر قبل دخول وقتها فلا، والله أعلم.
- وقال القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم 3/35-36: أما ما ذكره مسلم من أحاديث الجمع في غير السفر ... يؤول ذلك على تأخير الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية لأول وقتها ...، وقوله: أراد أن لا يحرج أمته: أي أن لهم جواز تأخير الصلاة إلى آخر وقتها وليس في ظاهره ما يدل أنه يجمعها في الحضر في أول وقت الأولى أو يؤخرها لوقت الآخرة.
- وقال الحافظ القرطبي في المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 2/346-347: وقوله في حديث ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم أخّر الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر ولا مطر، قد أخذ الناس في تأويل هذا الحديث مآخذ وأولاها أن هذا الجمع يمكن أن يكون المراد به تأخير الأولى إلى أن يفرغ منها في آخر وقتها، ثم بدأ بالثانية في أول وقتها، وإلى هذا يشير تأويل أبي الشعثاء، ويدل على صحة هذا التأويل أنه قد بقي فيه الأعذار المبيحة للجمع التي هي الخوف والسفر والمطر. وإخراج الصلاة عن وقتها المحدود لها بغير عذر لا يجوز باتفاق، فتعين ما ذكرناه، والله أعلم. وقوله: أراد أن لا يُحرج أمته. معناه إنما فعل ذلك لئلا يشق عليهم ويثقل، فقصد إلى التخفيف عنهم مع المحافظة على إيقاع كل صلاة في وقتها، على ما تأولناه، والله أعلم.
- وقال المازري في المعلم 1/298: والذي ينبغي أن يحمل عليه ... أنه أوقع الصلاة الأولى في آخر وقتها والثانية في أول وقتها.
- وقال الإمام الأبي في إكمال إكمال المعلم 2/357، بعد أن ذكر تأويلات أهل العلم لحديث ابن عباس: والمختار في تأويله عند أحمد وجماعة من شيوخ مذهبنا أنه كان لعذر مرض ونحوه، لأن المشقة فيه أشد من السفر، وقوله: أراد أن لا يحرج أمته. منع الكافة الجمع في الحضر. وشذت طائفة فأجازت ذلك للحاجة والعذر ما لم يُتخذ عادة، وتأول ذلك على تأخير الأولى لآخر وقتها وتقديم الثانية لأول وقتها على ما تأوله أبو الشعثاء، وبه علل أشهب، قال لأنه يصلى في أحد الوقتين الذي وقّت جبريل عليه السلام، وعلى هذا فليس بخلاف، والحديث يحتمل الوجهين، وليس في ظاهره ما يدل أنه يجمعها في أول وقت الأولى أو أول وقت الثانية، وإنما قوله أن يحرج أمته. [بيان لجواز تأخير الصلاة لآخر وقتها].
- وقال ابن سيد الناس اليعمري في النفح الشذي شرح جامع الترمذي 4/8: ومنهم من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها، وإقامة الثانية في أول وقتها، واستحسنه أبو العباس القرطبي ورجحه ...، وعندي أن ما اختاره القرطبي من تأويل أولى لأمور ....
- وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري 2/33-34: لكن يقول ما ذكره (يعني أبو الشعثاء) من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت الجمع، فإما أن تحمل على مطلقها فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما تحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإخراج ويجمع بها بين مفترق الأحاديث، والجمع الصوري أولى والله أعلم.
- وقال أيضا في تلخيص الحبير 2/124-125 رقم 616: ... أجاب أبو حامد عن هذا الجمع بأنه جمع صوري وهو أن يؤخر الأولى إلى آخر وقتها ويقدم الثانية عقبها في أول وقتها. وهذا قد جاء به صريحا في الصحيحين عن عمرو بن دينار، قال: قلت يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء؟ قال وأنا أظن ذلك.
- وقال القاضي الحسين بن محمد اللاعي المغربي في البدر التمام 2/113-114: وأما حديث ابن عباس عند مسلم أنه جمع بين ... من غير خوف ولا مطر ... فلا يصح الاحتجاج به لأنه غير معين لجمع التقديم والتأخير كما هو ظاهر رواية مسلم، وتعيين واحد منها تحكم، فوجب العدول عنه إلى ما هو واجب من البقاء على العموم في حديث الأوقات للمعذور وغيره وتخصيص المسافر لثبوت المخصص، وهذا هو الواجب الحاسم.
- وقال الإمام ابن حزم في المحلى 2/197 و205 المسألة 335: وأما في غير السفر فلا سبيل البتة إلى وجود خبر فيه الجمع بتقديم العصر إلى وقت الظهر ولا بتأخير الظهر إلى وقت العصر ... فإذ لا سبيل إلى هذا، فمن قطع بهذه الصفة على تلك الأخبار التي فيها الجمع فقد أقدم على الكذب ومخالفة السنن الثابتة ...، وقال: ونحن نرى الجمع بين الظهر والعصر ... بلا ضرورة ولا عذر ولا مخالفة للسنن، لكن بأن يؤخر الظهر كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر وقتها، فيبتدئ في وقتها ويسلم منها وقد دخل وقت العصر فيؤذن للعصر ويقام وتصلى في وقتها فقد صح بهذا العمل.
- وقال السندي في حاشيته على شرح السيوطي على النسائي 1/286: والأحسن في تأويله أنه جمع فعلا لا وقتا، فأخر الظهر إلى آخر وقته وعجل العصر في أول وقته، وهو الأوفق بقوله أخر الظهر وعجل العصر، والله تعالى أعلم.
- وقال النووي في شرحه على مسلم 5/218: وقد قال الترمذي في آخر كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر ....
- وقال ابن رشد في بداية المجتهد 1/182: ... فذهب القائلون بجواز الجمع في تأويل هذه الأحاديث إلى أنه أخّر الظهر إلى وقت العصر المختص بها، وجمع بينهما. وذهب الكوفيون إلى أنه إنما أوقع صلاة الظهر في آخر وقتها وصلاة العصر في أول وقتها على ما جاء في حديث إمامة جبريل، قالوا: وعلى هذا يصح حمل حديث ابن عباس، لأنه قد انعقد الإجماع أنه لا يجوز هذا في الحضر لغير عذر (أعني أن تصلى الصلاتان معا في وقت إحداهما). قلت: والظاهر والله أعلم حمل الحديث على المرضى لأن فيه جمع بين الروايات ....
- وقال الشوكاني في نيل الأوطار 5/364: ومن المؤيدات للحمل على الجمع الصوري ما أخرجه مالك في الموطأ والبخاري وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها. فنفي ابن مسعود مطلق الجمع وحصره في جمع المزدلفة مع أنه ممن روى حديث الجمع بالمدينة وهو يدل على أن الجمع الواقع بالمدينة صوري، ولو كان جمعا حقيقيا لتعارض روايتاه والجمع ما أمكن المصير إليه هو الواجب.
- وقال أيضا 5/367: وقد جمعنا في هذه المسألة رسالة مستقلة سميناها: تشنيف السمع بإبطال أدلة الجمع، فمن أحب الوقوف عليها فليطلبها.
- وقال صديق حسن خان في التعليقات الرضية على الروضة الندية 1/238: والجمع لعذر جائز، أي بين الصلاتين إن كان صوريا وهو فعل الأولى في آخر وقتها والأخرى في أول وقتها، فليس بجمع في الحقيقة لأن كل صلاة مفعولة في وقتها المضروب لها، وإنما هو جمع في الصورة، ومنه جمعه صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة من غير مطر ولا سفر كما في الصحيح من حديث ابن عباس وغيره، فإنه قد وقع التصريح في بعض الروايات بما يفيد ذلك، بل فسره من رواه بما يفيد أنه الجمع الصوري.
- وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي 1/476، بعد أن ذكر كلام الشوكاني: وهذا الجواب هو أولى الأجوبة عندي وأقواها وأحسنها، فإنه يحصل به التوفيق والجمع بين مفترق الأحاديث، والله أعلم.
- وقال المحدث خليل السهارنفوري في بذل المجهود حل سنن أبي داود 6/287: والأحاديث التي فيها ذكر الجمع في الحضر، فهذا الجمع محمول على الجمع الصوري قطعا، ومن حمله على غيره فقد غفل.
- وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/209-215: ثبت بما ذكرنا أن ما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجمع بين الصلاتين، أنه تأخير الأولى وتعجيل الآخرة، وكذلك كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده يجمعون بينهما.
- وقال العيني في عمدة القاري 5/46: وتقييده بعذر المطر ترجيح بلا مرجح وتخصيص بلا مخصص، وهو باطل، وأحسن التأويلات في هذا وأقربها إلى القبول أنه على تأخير الأولى إلى آخر وقتها، فصلاها فيه فلما فرغ عنها دخلت الثانية فصلاها ....
- وقال ابن عابدين في حاشيته رد المحتار 1/412: أي فعل الأولى في آخر وقتها والثانية في أول وقتها.
- وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي المالكي في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن 1/287-290 (باختصار) عند شرحه لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} [النساء: 103]، قال: وقد قدمنا أن هذا الجمع يجب حمله على الجمع الصوري لما تقرر في الأصول من أن الجمع واجب إذا أمكن، وبهذا الحمل تنتظم الأحاديث ولا يكون بينها خلاف، ومما يدل على أن الحمل المذكور متعين، ما أخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء.
فهذا ابن عباس راوي حديث الجمع قد صرّح بأن ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري، فرواية النسائي هذه صريحة في محل النزاع مبينة للإجماع الواقع في الجمع المذكور ....


ومما يؤيد الجمع المذكور على الجمع الصوري أن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم كلاهما ممن روى عنه الجمع المذكور بالمدينة، مع أن كلا منهما روى عنه ما يدل على أن الجمع المذكور في حديث ابن عباس جمع صوري، ما رواه النسائي من طريق عمرو بن هرم عن أبي الشعثاء: أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل.
وممن ذهب إلى أن المراد بالجمع المذكور الجمع الصوري ابن الماجشون والطحاوي وإمام الحرمين والقرطبي، وقوّاه ابن سيد الناس، بما قدمنا عن أبي الشعثاء، ومال إليه بعض الميل النووي في شرح المهذب ....
قلت: لا يمكن عدّ ولا حصر العلماء الذين فهموا أن الجمع في الحضر كان صوريا فقط ولم يكن حقيقيا، ويكفي أن أذكر زيادة على ما تقدم:
- الإمام المجتهد إبراهيم النخعي نقله عنه ابن عبد البر في التمهيد 2/439 والقسطلاني في الإرشاد 2/300.
- وابن جريج الخرساني كما في مسند أبي عوانة 1/503 رقم 1933.
- والأوزاعي كما في معالم السنن للخطابي 1/229.
- والإمام مالك كما في المدونة 1/143، فقوله: يُجمع بين المغرب والعشاء في الحضر وإن لم يكن مطر إذا كان طين وظلمة. محمول على الجمع الصوري.
- وابن خزيمة كما في صحيحه 2/86: فأما ما روى العراقيون أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة في غير خوف ولا مطر، فهو غلط وسهو، وخلاف قول أهل الصلاة جميعا.
- وبوّب البخاري على هذا الحديث: باب تأخير الظهر إلى العصر.
- وأختم برسالة الإمام المجتهد المطلق الليث بن سعد التي كتبها لإمام دار الهجرة يذكر له أدلته في عدم جمع الصلوات بسبب المطر، وهي رسالة عظيمة الفائدة، جاء فيها: ... ولم يجمع إمام قط في ليلة المطر، وفيهم خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وأبو عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل، وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أعلمكم بالحلال والحرام معاذ. وفيهم شرحبيل بن حسنة وأبو الدرداء وبلال بن رباح، وقد كان أبو ذر بمصر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، وبحمص سبعون من أهل بدر، وبأجناد المسلمين كلها، وبالعراق ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين، ونزلها علي بن أبي طالب عشر سنين بمن كان معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط.
قلت: لقد هاجر هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم إلى مختلف بلاد العالم التي تكثر فيها الأمطار والبرد والثلوج، ولم يثبت عنهم الجمع في الحضر، يكفي كما ذكر الإمام الأوزاعي، أن مدينة حمص وحدها كان فيها سبعون صحابيا بدريّا، ولم يعرف عنهم الجمع، كما ذكر الإمام الليث بن سعد.
هذا ما تيسر جمعه في هذه العجالة، كتبتها في يوم واحد وأنا مريض بالحمى، أسأل الله تعالى أن ينفع بها من وجدها، وترفع الفتنة الواقعة في بعض بيوت الله تعالى.

بلوزداد الجزائر
يوم 27 ربيع الأول 1433 - الموافق 20 فيفري 2012
بقلم: الشيخ شمس الدين
darelfetwa@gmail.com

حمّل نسختك الأصلية (نسخة ثانية مزيدة) PDF


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Google+

متابعو الصحافي الجزائري

Google+