ادخل بريدك الإلكتروني لإعلامك بمنشوراتنا الجديدة!

ابحث في هذه المدونة

السبت، 25 يناير 2014

الكفر بالنعم!


الكفر أنواع، ومنه الكفر بالنعم ، لقد فكرت في كتابة هذا الموضوع، لأني شاهدت الجميع يتساءل عن سر السعادة التي كنا نعيشها في زمن لا يوجد فيه غاز المدينة ولا حنفيات المياه ولا الهاتف ولا التلفاز ولا الثلاجة ...، ولا أتحدث عن الهاتف المحمول ولا عن الإنترنت ولا عن الأجهزة المتطورة والمتوفرة في جل البيوت كأجهزة الاستقبال وشاشات التلفاز والكمبيوتر ....

واليوم كل هذه النعم متوفرة لعامة الناس، لكن كل ما اقتربت منا هاته النعم أفقدتنا لذة السعادة، نعم، من حقهم السؤال، لأن السؤال في حد ذاته نوع من التدبر، والذي يتدبر هو الذي يسأل ومن يسأل يتعلم، ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.

أولا إن الدنيا جنة الكافر، فهذه النعم الدنيوية هي في الأصل لذة للكافر وابتلاء للمؤمن، وما دمنا نحن مؤمنين مسلمين فإننا لا نستطيع التوفيق لكي نجمع السعادة والخوف في قلب واحد، فالمسلم قد يفرح بملابس وأطعمة ومساكن وسيارات فاخرة و ... لكن الخوف ينتابه عند تذكر الحساب يوم القيامة، وهو في كل مرة يتأمل في الموت التي تأخذ الكبار والصغار، المرضى والأصحاء، الضعفاء والأقوياء ...، فالعاقل لا يأمن الموت ولا يأمن الدنيا التي غدرت بوالديه وبأبنائه وأهله وعشيرته وأحبابه وأصدقائه وجيرانه وخدمه ...، فهو يعيش الخوف والقلق لأنه يخاف من حساب الله، عكس الكافر والمنافق الذي يطمئن للدنيا وملذاتها ولا يفكر إطلاقا أو لا يخاف أصلا يوم لقاء ربه.

عندما نزلت سورة التكاثر وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم}، لزمه المرض أياما، حتى عاده الصحابة رضوان الله عليهم في بيته، فما هي النعم التي كان الناس يعيشها قبل أكثر من أربعة عشر قرنا حتى أفزعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وخاف ربه لأنه سوف يسأل عنها؟

فما نحن فاعلون أمام هاته النعم، أحيانا أسمع من القليل قولهم العامي الخاطئ "إننا في ستين نعمة"، والله عزوجل يقول: {وإن تعدّوا نعمة الله لا تُحصوها}، فلا نستطيع إحصاء النعم التي أنعمنا الله إياها.

أحبائي في زمن سابق كنا نأكل الطعام الواحد فصلا كاملا، إلى درجة أنك تمشي حيا كاملا تجد نفس الطعام في كل البيوت، واليوم عندما تدخل سوق الخضر تجد كل الخيرات وفي كل الفصول.

نعم أنا من الذين يقولون إن النعم موجودة لكن هناك من لا دخل له وليس بوسعه شراء ولو حبة طماطم، لكن العاقل يتذكر أن الرسل والأنبياء وأصحابهم وأولياء الله، عانوا أكثر منا، ربما بآلاف الأضعاف. هذا هو ثمن الجنة، فالجنة سلعة الله، وسلعة الله غالية.

سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة. وعلينا الاقتداء بخير وأحب خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يشبع من خبز الشعير ولا الرديء من التمر.

ثم إن الله سبحانه أنعم علينا بأعظم النعم، ألا وهي نعمة الإسلام، والتي اصطفانا بها وحرّم منها الكثير من خلقه، إن العالم اليوم به حوالي سبعة ملايير ساكن والمسلمين هم خُمس هذا العدد، أي حوالي مليار ونصف، أفلا تعقلون؟!

إننا نكافئ الذي يصنع لنا معروفا، وقد نكافئ الذي يبتسم لنا فقط، فكيف تقابل ربك وقد نجاك من الكفر وجهنم، وهداك إلى الإسلام والجنة. لما اشتد مكر الكفار برسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلبوا منه المعجزات كالتي أعطاها الرسل من قبله، ضاقت بنبينا الكريم اليتيم الفقير محمد صلى الله عليه وسلم الدنيا، وأكرمه الله بعد صبره على كفار قريش، وعلى انقطاع الوحي، بمعجزة الإسراء والمعراج، والتي عرج فيها سيدنا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلى، وتقدم إلى مكان لم يصل إليه الروح الأمين جبريل عليه الصلاة والسلام، بعدها ذكره الله عز وجل بنعمة الهداية في سورة الضحى {ووجدك ضالا فهدى}، ثم أرضى الله حبيبه صلى الله عليه وسلم حين قال له في نفس السورة {ولسوف يعطيك ربك فترضى}، وقال صلى الله عليه وسلم: يا رب لن أرضَ وواحد من أمتي في النار.

إن العبد التقي يقابل نعم ربه بالشكر، لقد عرفت الجزائر أيام الشاذلي بن جديد رخاء لم تعرفه من قبل، حتى شاهدنا القناطير من الدقيق مرمية في القمامات، وكانت أسواق الفلاح والأروقة الجزائرية ممتلئة بكل الخيرات، وبكل المنتوجات العالمية، من أجهزة إلكترونية ومنزلية وغيرها، لكن أقسم لكم أني سمعت الناس يدعون في يوم عيد النحر وهو أفضل الأيام في السنة وفيه الدعاء مستجاب، يدعون على الجزائر بالدمار يقولون بالعامية: "العقوبة للدزاير وتخلا الدزاير"، أهكذا نقابل النعم؟! لكن ما لبثنا حتى ابتلانا الله بدعاء الكثير، ومرّت الجزائر بعشرية دمرت وأحرقت الأخضر واليابس ....

لكننا ندمنا وتضرعنا إلى الله بالدعاء، فعاد الأمن بفضل الله، ثم بفضل حكمة الرجال المخلصين من العلماء و السياسيين وقوات الجيش ورجال الدرك والشرطة والمقاومة والحرس البلدي ...، وكل من ساهم في إطفاء نار الفتنة.

ذاك الوقت كان كل العالم بأسره يشاهد الجزائر تحترق وكان قادة الإخوان المسلمين، يصبّون البنزين بالفتاوى التي تجيز الخروج عن الحكام، لكنهم لم يتعضوا ولم يشكروا الله على العافية، وأصابهم الذي أصابنا، فهل يحتاج الإنسان منا إلى حرق نفسه أو حرق أخيه كي يعرف خطورة النار، وها نحن نشاهد ما كانوا يشاهدون.

فيجب الحفاظ على النعم بالشكر والعبادة، يقول الله عزوجل: {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}، ولا نملك سوى الدعاء لإخواننا، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، نسال الله العافية والسلامة لنا وللأمة الإسلامية جمعاء، اللهم ارفع عنا وعنهم الفتن ما ظهر منها وما بطن.

لقد أنعم الله على بني إسرائيل بكل النعم، ورزقهم من ثمار الجنة، وفضلهم على العالمين، لكن قابلوا تلك النعم بالكفر والجحود، ووصل بهم الأمر إلى طلب الأذى من ذلك، يقول الله عزوجل: {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها}، وعجب موسى عليه الصلاة والسلام لطلبهم! كيف يملّون من المن والسلوى، ويريدون الثوم والعدس؟! ثم قال عز وجل: {قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير}. وهذا جواب على السؤال الذي يطرحه العامة في بحثهم للعيش الكريم وسعادة الدارين، وهو قوله عز و جل: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}.

إن الفرق بيننا وبين من سبقونا، هو في معرفتهم لقيمة النعم، فشكروا الله تعالى وطلبوا العافية والسلامة فقط، لذلك عاشوا أسعد منا، أما نحن فنطلب الكثير من متاع الدنيا وملذاتها، لكننا لا نعرف القناعة التي عرفها السابقون، فالسر يكمن هنا، ولمن أراد العكس فيقول الله عز وجل: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون}.

بقلم: خنيش علي.
مسعد يوم 25 جانفي 2014

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Google+

متابعو الصحافي الجزائري

Google+