ادخل بريدك الإلكتروني لإعلامك بمنشوراتنا الجديدة!

ابحث في هذه المدونة

الاثنين، 27 يناير، 2014

عسعس الليل (قصة قصيرة)


أكون هانئا في أطيب محل بين ذلك السديم الذي تقطعت أوصاله إذ يضيء نجم في طواميس الليل، أين أحمل سيفي لأضرب به عروة الظلام، لكن ولو مرة لم أصل إلى ممشى الروح، إذا الطريق ما زال مرصوفا بدقائق تضيق فأجد ذلك غير ممكن لبوارق تجمع كل أصولي لترميني في فناء جديد من حياة خفية وراء كواكب وشوارع وبساتين و ....

بماذا أعلل شجوي الدائم إلى ممرات لم أرَ أبوابها أبدا ولم أغامر حتى في الوقوف على حافتها؟ أقف بعيدا لأشاهد تلك المسافات والرايات البيضاء، أعلام ترفرف على أناس ذهبوا متحمسين ثم عادوا مستسلمين وعلى محاجر عيونهم أثلام تلك الحرب.

آخر مرة وأنا ألوي على شيء، لفت انتباهي صبيّ في الثالثة عشر من العمر يجثو على نبتة أثيثة ينظر أمامه، يفكر ولم يبال بوجودي، سألته:

- ما بالك؟ هل أنت غاضب من شيء أم أنك لا تحب مهنتك؟ بعدما خنزر فيّ، قال: لا، أنا أحب عملي ثم أني أدرس بالكتاب، لكنني سألت أبي عن شيء فصمت ولم يجبن وكأنه لم يصدقن!

- أرجو أن تحكي لي عن الذي يقلقك فأنا في مقام أبيك.
- هل تعرف مغداد؟
- هذا الاسم ليس غريبا عني!
القاص والروائي خليل حشلاف
- كنت أذهب إليه، إذ له إلى تلك الليلة خمس سنوات لم يضع جنبه على الأرض، ويمكث أياما عديدة لا يأكل، وفوق ذلك كان يكثر من الهمهمات من الصباح حتى الغروب، ولم أكن أقترب منه لمشاعر الرهبة التي تراودني اتجاهه! ففي قعر عينيه تيهان لا حدّ له، وكان وقوفه ركضا وراء شيء لا يحيد عنه، تراه وأرجله المفلطحة والأظافر التي تخشبت من الأوساخ، يعود وكأنه ظفر بشيء ما، حتى أني تساءلت: ما دور هذا المجنون في الحياة إذا كان لكل كائن دور؟ فما حكمة الله في إبقائه في عذابه مع التمتمات واليقظة الدائمة؟ فقد كلفني إطعامه وظل ذلك سري الذي لم أبح به إلى أحد، إلى أن جاء أحمد بن واوة -مجنون مثله-، في ذلك اليوم حملت إليه القهوة، لم أشعر بالخوف، كان أقل تيهانا، وعندما عدت مساء حاملا العشاء، التقت عيناهما وظل يحدقان ببعضهما حتى إني انتظرت حدوث شيء! تخيلت معركة بين المهبلين بالأيدي والعصي، يسحقان من خلالها عظامي ...، عزمت أن أتسلل هاربا فرفع بن واوة عصاه وبصوت خافت قال:

- نم الليلة، أنا الذي أعسّ!

جعل فردة حذاءه وسادة، ودونما أن ينظر إلى محدثه فتح فمه وأسبل عينه وكأنما خرجت روحه:

- إن أباك لا يريد منك أن تشغل بالك بهذه الأمور.
- هل تقصد أن ذلك لم يحدث؟
- أنا مثلك تائه.
- هذا يعني أنك لم تصدقن!

قال كلمة أخرى لم أسمعها، نهض من مكانه، أردت أن أقول له شيئا، أي شيء، لكنني وجدت فمي كأنه مخيطا بقفل، ورأيته يخالفني الطريق وقد وقف على شفا الوادي، شعرت وكأني أريد أن أذهب وراءه، لكن رجلاي قادتني بعيدا إلى تذكرة قديمة، غاية في اللطافة، تـمنيت لو أني أشاهد الرواية كاملة ويتم لي السماع التام.

(إذا تم لك التحلي بصفة الحراسة فما أسرع ظهور العشق في المعرفة) - فريد الدين العطار- منطق الطير-.

بقلم القاص والروائي: خليل حشلاف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Google+

متابعو الصحافي الجزائري

Google+